محمد الغزالي

370

فقه السيرة ( الغزالي )

التي معه ، وإنقاذ سمعة المسلمين في أول معركة لهم مع الدولة الكبرى . والعجيب أنّ الرومان أعياهم هذا القتال ، وأصيبوا فيه بخسائر كبيرة ؛ بل إنّ بعض فرقهم انكشف ، وولّى مهزوما . واكتفى خالد بهذه النتيجة ، واثر الانصراف بمن معه . عن أنس بن مالك أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيه خبرهم ، فقال : « أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - قال : ثم أخذ الراية سيف من سيوف اللّه حتى فتح اللّه عليهم » « 1 » . وروى ابن إسحاق « 2 » ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لقد رفعوا إلى الجنة - فيما يرى النائم - على سرر من ذهب ، فرأيت في سرير عبد اللّه بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه ، فقلت : ممّ هذا ؟ فقيل لي : مضيا ، وتردّد عبد اللّه بعض التردد ، ثم مضى » . [ التربية الجهادية للمجتمع المسلم ] : والدلالة التي تعلو على الريب في هذه المعركة أن شجاعة المسلمين وبسالتهم بلغتا حدّا لم تعرفه أمة معاصرة ، وقد أكسبهم هذا الروح العالي إقداما حقّر أمامهم كبرياء الأمم التي عاشت مع التاريخ دهرا تصول وتجول لا يقفها شيء . إن الاستهتار بالخطر والطيران إلى الموت ليسا فروسية احتكرها الرجال المقاتلون واحدهم ، بل هي قوة غامرة قاهرة ، تعدّت الرجال إلى الأطفال ، فأصبحت الأمة كلها أمة كفاح غال عزيز ، وحسبك أن جيش ( مؤتة ) لما عاد إلى المدينة قابله الصبية بصيحات الاستنكار يقولون : يا فرّار ! ، فررتم في سبيل اللّه ؟ إنّ أولئك الصغار الأغرار يرون انسحاب خالد ومن معه فرارا ، يقابل بحثو التراب . أيّ جيل قويّ نابه هذا الجيل الذي صنعه الإيمان بالحق ؟ ! أيّ نجاح بلغته رسالة الإسلام في صياغة أولئك الأطفال العظام ؟ من اباؤهم ؟ من أمهاتهم ؟ كيف كان الاباء يربون ؟ وكيف كانت الأمهات يدللن ؟ .

--> ( 1 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاري : 7 / 413 ، وغيره . ( 2 ) رواه بلاغا كما في سيرة ابن هشام : 1 / 258 - 259 ، وغيرها ، فهو ضعيف الإسناد .